الصفحة الرئيسية

السقوط المدوي لمنقذ نيسان وميتسوبيشي .. قصة مثيرة

حقق كارلوس غصن نجاحاً ساحقا في اليابان نظراً لأنه كان أجنبياً عصف اسلوبه المختلف بعالم الشركات اليابانية الذي كان يعتريه العفن، ولكن تجاهله لأعراف عالم الأعمال ربما كان السبب في سقوطه.

هذا الرجل الذي اعتبر منقذا لشركات متعثرة لدرجة أن حياته تحولت إلى قصة خلدتها كتب الرسوم، موقوف منذ الثلاثاء ويواجه تهما بارتكاب مخالفات مالية، بما فيها إخفاء دخله الهائل.
ويبدو من المرجح أن الشركات التي أنقذها — نيسان وميتسوبيشي –ستستغني عنه كرئيس لمجلس إدارتها، وأصبح إرثه كمنقذ للشركات في مهب الريح.
ولغاية أحداث هذا الأسبوع الدراماتيكية، كانت كل الروايات المتعلقة به تتحدث عن تفاؤل غير محدود.
قال كوسوكي ساتو الخبير الاقتصادي البارز في معهد ابحاث اليابان أن “غصن هو على الأرجح أنجح رئيس مجلس إدارة أجنبي في اليابان”.
وأضاف “ما فعله لم يكن له مثيل في تاريخ الشركات اليابانية”.
ولكن كل هذه الروايات تبخرت مساء الاثنين.
في مؤتمر صحافي بعد ساعات من توقيف غصن، عرض الرئيس التنفيذي لشركة نيسان هيروتو سايكاوا الذي اختاره غصن بنفسه، رواية معدلة عن تاريخ غصن المولود في البرازيل، قللت من دوره في تغيير مصير الشركة اليابانية.
وأشار سايكاوا إلى “الجانب المظلم” من عهد غصن، وقال أنه جمع قدرا مفرطا من السلطة في يده وأصبح بعيداً عن العمليات اليومية للشركة.
ورفض سايكاوا الإنحاء اعتذارا كما هي الحال في أي مؤتمر صحافي تقر فيه أية شركة يابانية بارتكاب موظفيها مخالفات.
– غصن “صنع أعداء”-
سارع الإعلام الياباني، الذي دأب على مدح غصن لدوره في انقاذ شركة نيسان وإنعاش قطاع صناعة السيارات في البلاد، إلى انتقاده.
وأشارت صحيفة “نيكاي” المالية اليومية إلى أنه لم يقطع اجازته عند اندلاع فضيحة تفتيش في نيسان في 2017، بينما وصفت صحيفة يوميوري شيمبون المدراء التنفيذيين في نيسان بأنهم “طماعون”.
ونقلت الصحيفة اليومية عن موظفين قولهم إن “غصن يقول الصواب، ولكن في النهاية كل شيء يتعلق بالمال”.
فضائح الشركات ليست جديدة على اليابان، غير أن هذه القضية التي تركزت على الإثراء الشخصي تركت مرارة.
قال جيف كينغستون مدير الدراسات الأسيوية في جامعة تيمبل اليابانية “غصن ضحية عجرفته ونجاحه”.
وأضاف “لقد تم تحويله إلى بطل بسبب ثقافة الشركات المتعفنة في اليابان، حيث أنه لم يكن يرحم، وهو الآن يدفع الثمن”.
وصرح لوكالة فرانس برس أن غصن “داس على الأعراف الثقافية اليابانية بأساليبه بادعاء المجد، كما أن راتبه الهائل أثار الغيرة والاحقاد عليه”.
وكان راتبه هائلا بالمعايير اليابانية وأدى الى انتقادات له حتى على مستوى الحكومة في فرنسا.
وقال روبرت دوجيريك مدير معهد الدراسات الآسيوية المعاصرة في جامعة تمبل اليابانية إن غصن “صنع أعداء وتسبب في غيرة المؤسسة اليابانية لأنه بطريقة ما انتهك أعراف المدراء التنفيذيين”.
وأضاف أن “غصن كان يعيش حياة رئيس تنفيذي في حين كان معظم المدراء اليابانيين أكثر تواضعاً”.
– صدام حضاري –
ربما كان أسلوب غصن المتكبر وليس كونه أجنبيا هو ما جعله مختلفا عن باقي المدراء اليابانيين.
وسواء من خلال تنفيذه إعادة هيكلة شاملة للشركات الذي أكسبه لقب “خافض التكاليف” أو قراره الاحتفال بزواجه الثاني في قصر فرساي على أسلوب حفلات ماري انطوانيت، فقد كانت شخصية غصن مناقضة لشخصية مدراء الشركات اليابانية.
ويأتي سقوط هذا الأجنبي البارز في الوقت الذي تعاني منه اليابان من نقص الأيدي العاملة وتسعى إلى جلب العمال المهاجرين الاجانب.
وتسبب ذلك في استياء في بعض الأوساط بوصفه خروجاً على سياسة الهجرة اليابانية المتشددة التي ضمنت تجانس المجتمع الياباني نسبياً.
وقال ساتو أن قضية غصن توضح الصدام الحضاري الأساسي في قطاع الشركات اليابانية.
وصرح لفرانس برس أن “من أسباب حدوث ذلك أن الشركات اليابانية ليست لديها ثقافة منح المدراء التنفيذيين رواتب هائلة”.
واضاف “بعد هذه القضية قد تتردد الشركات اليابانية في قبول قادة أجانب في المستقبل”.
ولكن جيني كوربيت من مؤسسة الدراسات الاسترالية اليابانية، قالت إن ذلك سيكون خسارة لعالم الشركات اليابانية.
وقالت “بالنسبة للشركات التي تحتاج إلى التغيير، فيبدو أن الطريقة الوحيدة للقيام بذلك هو وجود أجنبي”.
وأضافت “بعد غصن ربما تصبح الشركات التي تحتاج إلى هذا النوع من التغيير أكثر ترددا بتعيين أجانب للقيام بذلك”.