الصفحة الرئيسية

التفاوض خارج اليمن

عبدالباري طاهر

اليمنيون عبر تاريخهم الطويل وحروبهم الكارثية والمستدامة لم تصل القطيعة بينهم في أي مرحلة كما هو الحال اليوم .في عصور الظلام و عبر الحروب بأبعادها القبلية والجهوية، كان المقاتلون يتلاقون بصيغ وطرائق عديدة، مرددين «إذا احتربت يوماً فسالت دماؤها… تذكرت القربى فسالت دموعها».
كان حكيم اليمن والصانع الأول لحركة الأحرار الأستاذ احمد محمد نعمان كتسمية رفيق دربه الشاعر الكبير محمد محمود الزبيري، أكثر تفهماً وإدراكاً واستشعاراً لمخاطر الحروب الأهلية على اليمن واليمنيين. وكان هو من يكثر من ترديد هذا البيت الدال والمتفائل .
لأربعة أعوام يتحارب اليمنيون وتمتد الحرب، وتعم جل مناطق اليمن شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً، وتدخل الحرب الإقليمية والصراع بين «التحالف» الذي تقوده السعودية والإمارات ومن ورائهما امريكا وبريطانيا وفرنسا، وفي الطرف الثاني إيران إلى جانب «أنصار الله».
الحرب المركبة: الأهلية الإقليمية، قد أنهكت المجتمع المدني اليمني وهمشت الإرادة السياسية بحيث لا يستطيع اليمنيون التنادي والتلاقي لمصلحة بلدهم. يعجز اليمنيون، وهذا أمر فاجع، عن التلاقي في أي منطقة من مناطق اليمن للتحاور حول الأسرى والمختطفين والمخفيين والمعتقلين السياسيين .
أليس فاضحاً أن يعجز قادة الحرب عن الالتقاء لفض الاشتباك وإعادة الانتشار في الحديدة، إلا على باخرة تستأجرها الأمم المتحدة في عمق البحر .
لم يعد اليمني يقبل بأخيه اليمني ولم تعد الأرض اليمنية كلها تتسع للقاء تفاوضي بينهما، فما يجمعهم على الأرض اليمنية ليس سوى الحرب، هم يقبلون بالأجنبي حتى لو كان عدواً لهم، ولا يقبلون ببعضهم، وليس من معنى لذلك إلا أنهم قد أصبحوا أدوات في حرب موظفة لغير الغايات الوطنية التي يدعون.
يذهبون إلى عمان للتباحث من حول أسرى الحرب، وهو أمر لا يحتاج اكثر من إعداد القوائم لدى كل طرف، فالأسرى يمنيون يتقاتلون على قضايا لا تحلها الحرب .
معروف أن لدى كل أطراف الحرب مختفين قسرياً ومختطفين ومعتقلين سياسيين إضافة إلى الأسرى. و في النهاية كلهم يمنيون ضحايا حرب إجرامية تدمر اليمن وتمزق النسيج المجتمعي، وتنشر المجاعات الساحقة الماحقة وتحرث الارض لانتشار الأوبئة الفتاكة، وتشرد الملايين من مدنهم وقراهم الآمنة، دعاوى أطراف الحرب فقدت مصداقيتها ومبرر تسويقها، وأصبحت نوايا أطراف الحرب مكشوفة، وكل طرف لا يريد غير الاحتفاظ بما وصلت إليه حربه ووجوده، والإبقاء على إشعال الحرب لا يعني غير الفيد والغنائم والتكسب والنهب، فالحرب الجريمة الكبرى قد قسمت اليمن إلى «كانتونات» تسيطر عليها المليشيات المسلحة هنا وهناك.
والسجون في اليمن كلها مليئة بالمختفين قسرياً والمختطفين والمعتقلين والأسرى، الذين يجري التفاوض حول مصيرهم خارج بلدهم لكأنهم أسرى بلدان و دول لا يجمع بينها جامع. التفاوض حول الأسرى خارج اليمن وبوساطة الأمم المتحدة فضيحة لأطراف الحرب، فالأسرى في القانون الإنساني الدولي وفي الأعراف والتقاليد اليمنية لا يحتاج إلى مثل هذا التعنت والتعقيد، فتبادل الأسرى يبعث الأمل في نفوس الأسرى ويعيد لم شمل العائلات ويسهم في إعادة بناء الثقة المفقودة، ويفسح السبيل أمام تفاوض جدي وواعد لحل سياسي، وهو الحل الوحيد الممكن .
تدق اليمن أبواب الذكرى الثامنة لثورة الربيع العربي، وهي الثورة التي جرى الانقلاب عليها في الشهر الثاني، وبعد انشقاق علي محسن وآل الأحمر وتجمع الإصلاح عبر احتواء الثورة وقولبتها، ثم الانقلاب على مخرجات الحوار 21 سبتمبر 2014، وذلكم ما أوصل اليمن إلى الحالة الراعبة.
اليمن اليوم عدة كيانات مفككة ومتحاربة، كل موقع أو كيان فيه العشرات والمئات وربما الآلاف من القتلى والأسرى والمعتقلين والمختفين قسرياً، ولكي يتفاوض المحاربون على مصائر هؤلاء اليمنيين، فلا يقبلون إلا بالنقاش إما في باخرة توفرها الأمم المتحدة في عمق البحر أو يذهبون إلى الأردن .
إعاقة سبيل تبادل الأسرى جريمة وعدم إطلاق المعتقلين السياسيين جريمة والاختطاف والاختفاء القسري جريمة أيضاً. ولكن جرائم الحرب والقتل هي أم الجرائم كلها. تشريد الملايين وتهديم المدن والقرى والمدارس والمستشفيات والأسواق الشعبية والطرقات العامة، كلها جرائم الحرب التي لا يراد لها أن تنتهي.
أطراف الحرب العاجزون عن منح الثقة لشعبهم، وقبل ذلك لأنفسهم، لا يستطيعون إحلال الأمن و السلام والاستقرار لأمتهم .
الشعب اليمني التواق للسلام وللأمن والاستقرار لا بد وأن يتصدى لتجار الحروب وللتدخل والحرب الخارجية عليه .
يدرك الداخلون على الحرب الأهلية أن مبرر حربهم هو نصرة هذا التطرف أو ذاك، وأن تلاقي اليمنيين وتوافقهم على وقف الحرب، والقبول بالحل السياسي السلمي بقطع دابر حربهم على اليمن ومطامعهم في تفكيك اليمن واستعبادها .
اليمن التي تغطي الحروب المدمرة والكارثية الممتدة إلى مختلف مناطقها لا تتسع لتلاقي بضعة أفراد للتحاور. حول أسراهم وفك الاشتباك وإعادة الانتشار في مدينة الحديدة .